الجمعة، 7 أغسطس 2009

حصان طروادة .. الأسطورة والواقع

من وقت لآخر أحاول الهرب من الواقع ، خاصة واقعنا العربي الراهن ، بأحداثه العجيبة وهمومه التي لا تنتهي ، إلى حيث جزيرتي الهوائية النائية .
أحيانا أجد طائري الأبيض هناك واقف يغرّد منفردا على أحد الأغصان .
يستقبلني بشوق الصديق لصديقه ..
ينتظرني بلهفة ليخبرني عن آخر الأخبار في عالم الطيور .
يشكو لي بمرارة قسوة النسور وحدة طباع بعض الصقور ، و"نذالة" بعض الغربان .
فأشكو له في المقابل كل ما سبق ذكره من بنود ولكن على الطريقة البشرية وضمن منظومة القهر والجبروت التي يمارسها "البعض" على المستضعفين .
غالبا نتفق وأحيانا نختلف .. ولكننا رغم ذلك ما زلنا أصدقاء منذ فترة ليست بسيطة على أية حال .
أصارحه بأنني أغبطه على جناحيه اللذان يستطيع بهما الطيران حيثما أراد ووقت ما يشاء .. فيقول لي في المقابل : أغبطك على عقلك البشري (ربما لا يعلم أنه أصبح مستهلكا ولا يصلح هذه الأيام إلا للبيع في أحد أسواق الأجهزة المستعملة) .
عموما أرتاح حين البوح له بأسرار عقلي "البشري" فيبادلني التغريد .. كل على طريقته .
كورال من شخصين أحدهما يغني وحيدا خارج السرب والآخر يصرخ في جزيرته النائية ولا يسمعه أحد .
أهرب من جغرافيا المكان فيلاحقني تاريخ الزمان .
فلا أجد بُدا من دخول إحدى مكتبات التاريخ التي تنتشر على منعطفات ذاكرتي وتعرجات عقلي .
فتحت هذه المرة كتاب يرجع تاريخه إلى ثلاثة آلاف وثلاثمائة سنة تقريبا .
لم يكن ذلك الكتاب سوى ملحمة "الإلياذة" الشهيرة للشاعر اليوناني "هوميروس" ، والتي صور من خلال "شعرا" حرب طروادة الشهيرة في سالف العصر والآوان .
ولنبدأ القصيدة من أولها حتى آخر سطر في "الأسطورة". "طروادة" مدينة تركية تقع في منطقة الأناضول .
قدر لها أن تتعرض لغزو إغريقي آت من ناحية الغرب وتحديدا "إسبارطة" اليونانية .
كان ذلك في القرن الثالث عشر قبل الميلاد .
بدأت القصة بعد أن قام "بارس" ابن شقيق حاكم "إسبارطة" اليونانية باختطاف "هيلين" زوجه ذلك الحاكم .. أي زوجة عمه !! أو ربما هربت معه برضاها .. الله أعلم .
ولم يجد طرفا الخيانة أهدأ ولا أجمل من مدينة "طروادة" التركية لتكون مقرا لخيانتهما .
غضب ملك "إسبارطة" لما حدث من خيانة وقرر استعادة زوجته الهاربة "هيلين" مع ابن شقيقه "بارس" .
فضرب جيش الإغريق وحاكمهم حصارا على "طروادة" وأهلها لمدة عشر سنوات كاملة .. ولكنهم لم ينجحوا في دخولها طوال هذه الفترة الطويلة .
فابتدعوا حيلة غاية في الدهاء العسكري والمكر السياسي .
ولم تكن تلك الحيلة إلا حصان خشبي ضخم وأجوف اختبأ داخله عدد من الجنود حتى يقوموا بفتح أبواب المدينة أمام بقية جيش الإغريق الذي كان يختبئ بالقرب من حدود المدينة متحفزا لاقتحامها .
بالفعل جاء "جاسوس" إغريقي وأقنع أهل طروادة المسالمين بأن الحصان هدية من "أصدقائهم" الإغريق .
قبل أولئك الآمنين الحصان "الهدية" على أنه "عرض سلام" إغريقي ، رفع الحصار أخيرا عن طروادة وأهلها وأقيمت الاحتفالات وعمّت الأفراح والليالي الملاح أرجاء المدينة ، التي غاب معظم أهلها عن الوعي ولم يتمكنوا وقتها من إدراك المخاطر التي تنتظرهم في ظل "وعود زائفة" وهدية "قيمة" قدمها لهم ذلك الجاسوس الإغريقي "الداهية" .
خرج الجنود من الحصان إلى داخل المدينة وفتحوا بواباتها لبقية الجيش .
وكانت النتيجة نهب المدينة بلا رحمة وقتل وأسر من حاول رفع رأسه من الرجال ، و"سبي" النساء وأخذهم مع الأطفال كعبيد .
وانتهت حدوتة حرب طروادة ، بحصارها وحصانها وغياب أهلها عن وعي اللحظة وإدراك المخاطر المحدقة بهم من خلال مخطط شيطاني ، ودهاء تخطيط عسكري .. وتنفيذ فعلي على أرض الواقع .
انتهت أسطورة حرب طروادة ، ولم تنته بعد حكايات "على بابا والأربعين حرامي" ، و"علاء الدين والمصباح السحري" .
و"الشاطر حسن" ، و"سندباد وبساط الريح" ، و"أبو رجل مسلوخة" وغيرها .
انتهت حرب "طروادة" المدينة التركية القديمة .. وما زالت حرب "طروادة" العربية جارية على قدم وساق .
تخنقنا بغبارها ، وتلفحنا بنارها صيفا ، وتجمّد أطرافنا شتاء .. حتى يومنا هذا !!"حصار" دام عشر سنوات لمدينة صغيرة بواسطة جيوش تسد عين الشمس .
لم يستطع ذلك الجيش دخولها أو اقتحامها بالقوة إلا بعد خدعة الحصان "الهدية" ووسوسة الجاسوس الإغريقي في أذن "بعض" أهل طروادة وتصديقهم "الذي كان في غير محله" .
ووصول الغالبية العظمى منهم إلى حالة من غياب الوعي والنشوة الزائفة بسبب الهدية إياها والوسوسة والغدر والخداع وخيانة "هيلين" لزوجها "حاكم إسبارطة"" (وما ذنب أهل طروادة يا "ست" هيلين) ؟!
ولا ننسى "بارس" (النذل) الذي قام باختطاف "زوجة عمه" (مرات عمك يا جبان) ؟!
حينما كان أهل طروادة بكامل وعيهم وإدراكهم لطبيعة الموقف والحصار لم يستطع الإغريق دخول مدينتهم أو هزيمتهم لأنهم كانوا يملكون إرادتهم .
ولكن حينما غابوا عن الوعي ، ولو مؤقتا .
وحينما ابتلعوا "طّعم" (بضم حرف الطاء) الحصان الهدية وأمنوا مكر أعدائهم ..
وقتها فقط استطاع هؤلاء الأعداء تحقيق ما عجزوا عنه طيلة عشر سنوات من الحصار .
المدينة نفس المدينة ..
وأهلها هم أنفسهم وكذلك أعداؤهم . لم يتغير في الحكاية "المأساة" سوى "غياب الوعي" .
لا يهم السبب .. فالأسباب كثيرة ، ولا يهم من وراءه .. فهم كُثر .
ولا يهم زمان المأساة ومكانها .
ذلك أن التاريخ يعيد نفسه وإن تغير الزمان وإن تغير المكان .
أركان الحكاية "المأساة"" تتشابه (مأساة طروادة "التركية" سابقا ومأساة طروادة "العربية" لاحقا .. هذه الأيام) .
وإن اختلف لون طلاء الجدران أو ارتفاع السقف .
طالما أن الأرضية واحدة ، وهي خداع الأعداء .. وتصديق "البعض لوعودهم البراقة ، وهداياهم "الملغّمة" .
نقل لنا التاريخ أحداث حرب طروادة بكل تفاصيلها .
واجتهد "هوميروس" من خلال "إلياذته" في وصف تلك الحرب بصورة دقيقة .
يرددها البعض كحكاية تروى والبعض الآخر إعجابا بنصوص الشعر.
والبعض يفلسفها حسبما يرى ووفقا للظروف المحيطة "زمانا ومكان" .
ويمر عليها البعض "مرور الكرام" دون تعليق أو انتباه لمعانيها .
أما البعض فلا يعلم عنها إطلاقا حتى الآن (ربما هم أولئك الباحثون عن الهدوء بعيدا عن التاريخ ووجع القلب) .
أبتسم "بمرارة" كلما سنحت لي الفرصة للإطلاع على مثل تلك القصص والحكايات التاريخية التي تحمل بين طياتها معان ودروس كثيرة لمن يريد المعرفة .
وأتألم كمواطن عربي ، حينما أرى واقعنا الراهن .
وعندما أحاول الهرب من الواقع إلى التاريخ فإنني أهرب وأنا ولله الحمد بكامل قواي العقلية لعلي أجد منفذا أو معبرا يوصلني إلى حقيقة ما في موضوع معين .
فأجد نفسي أمام كمّ هائل من أساطير وروايات وقصص وحكايات أعتقد أن علينا تحليلها وفهمها بصورة أكثر نضجا وواقعية ، حتى ننجو بأنفسنا من مخالب ذئاب العالم "الغابة" .
يقولون أن التاريخ يعيد نفسه .. ربما صحيح .
وأن الجغرافيا تتغير تبعا للمناخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإعلامي السائد حسب الزمان والمكان والظروف . ولكن الإنسان الفرد والإنسان المجموع هم الذين عليهم أن يحددوا الموقف ويتحكمون بإرادتهم في إحداث ما يمكن إحداثه وتغيير ما يمكن تغييره إلى الأفضل وفقا للمصلحة العامة للمجتمع .
توفر الإرادة وحضور الوعي وإدراك الواقع بشكل سليم لتغييره إلى مستقبل أفضل ، مطلوبين الآن "عربيا" أكثر من أي وقت مضى حتى نستطيع النفاذ من عنق الزجاجة التي ربما وضعنا أنفسنا داخلها "من حيث لا نعلم" .
الأسباب متعددة ولكن النتيجة واحدة في أغلب الأحيان .
فلننتبه جيدا أيها العرب .. "حصان طروادة" وجنوده المختبئين في جوفه موجودون بيننا الآن .
"هيلين" الهاربة ومختطفها (النذل) ، وحاكم إسبارطة ، والجاسوس الإغريقي ، والنشوة الزائفة ووسائل المكر والخداع و ... و ... الخ . كلها موجودة بيننا ، وللأسف تؤدي دورها المرسوم والمخطط سلفا .
فعلينا الانتباه "الجيد" والمواجهة "الجيدة جدا" .. والردع "الممتاز" حتى نحصل "عربا" على أعلى الدرجات في اختبار التاريخ والجغرافيا وحساب المثلثات .. الذي بات على الأبواب هذه الأيام ، بموجب جدول الحصص الدولي الذي جرى توزيعه على الطلاب مؤخرا في مدرسة "الأمم المتحدة الثانوية" بواسطة "أمينها" العام وعدد من وكلائه .. المتحفزين !!
وليد أبو حوسة / كاتب فلسطيني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق