الجمعة، 7 أغسطس 2009

ثقافة الجهل

[ لو كان الجهل رجلا لقتلته ]
وليد محمد ابو حوسة
لم أستطع إخفاء ابتسامتي الاستنكارية والتي لم تخل من استغراب وربما ألم دفين يسكن عقلي الباطن ولكنه قد يطفو عند اللزوم والطلب على سطحه الواعي .
حدث ذلك حينما كنت أتابع حوارا ساخنا بين صديقين تطوّر في النهاية إلى ما يشبه المشادة الكلامية .
ولكن ، ولله الحمد فقد كانت من وزن الريشة ، ولم تؤد إلى انتصار أي من الطرفين بالضربة القاضية الفنية أو حتى بالنقاط . بدأ الحوار هادئا رصينا تغلفه سحب تبشر بأمطار خفيفة من التفاهم والود .
ولكنه فجأة انقلب إلى عواصف رعدية وأمطار غزيرة من التعليقات الساخرة الساخنة المتبادلة وصلت في بعض مقاطعها إلى حد قد لا بنفع معه مظلة بلاستيكية أو حتى فولاذية ، ولكن ربما الاحتماء تحت سقف وبين جدران عقل يفكر بمنطق سليم منظم . حوار عادي .. بدأ بأحوال الطقس وانتهى بعاصفة من الأمطار الغزيرة وقدر لا بأس به من ضعف الدراية بأدبيات الحوار الهادئ وأسلوب النقاش المنطقي المتزن .
لا أذكر كيف بدأت مباراة الحوار أو ما تم التطرق إليه في ربع الساعة الأول منها أو من كانت له ضربة البداية . ولكن ربما أذكر النقطة الإنعطافية في مسارها والتي أدت إلى تفرّق العقول وتشتت كرة الأفكار في معظم أنحاء ملعب النقاش المبتل . ولم تكن تلك النقطة سوى النقطة التي تبعد عن خط المرمى بتسعة ياردات في ملعب كرة القدم ، والتي توضع عليها الكرة إيذانا بتنفيذ ضربة جزاء لصالح فريق ضد الفريق الآخر .
كل من الصديقين يشجّع فريق من فريقين جرت بينهما مباراة في كرة القدم منذ عدة أيام !!كان الحكم قد احتسب ضربة جزاء لصالح فريق ضد الفريق الآخر (ربما كانت صحيحة أو خاطئة) . نفذت ضربة الجزاء ونتج عنها إحراز هدف المباراة الوحيد الذي كان يعني حصول ذلك الفريق على كأس البطولة ، وبالتالي فقد الفريق الآخر لها .
اختلف الصديقين .. فمشجّع الفريق الفائز يؤكد صحة ضربة الجزاء ، بينما الآخر يصرّ على أنها ليست صحيحة حيث أن مدافع فريقه لم يتعمّد لمس الكرة بيده داخل منطقة الثمانية عشرة ياردة .
وأن حكم المباراة كان يجب عليه التأكد قبل إطلاق صافرته معلنا عن ضربة الجزاء (المشكلة) . ووسط عاصفة من الغضب الناتج عن التعصّب اتهم أحدهما الآخر بالجهل .
ولم يوضح ماذا كان يقصد بكلمة الجهل هنا : الجهل بقانون كرة القدم بشكل عام ؟ أم الجهل بالأخطاء التي تكون سببا في احتساب ضربة الجزاء ؟ أم الجهل بشكل عام ؟!
وكان لا بد أن أتفاعل بشكل أو بآخر مع ذلك المشهد المؤثر ، على الأقل بحكم قربي جغرافيا من مكان الحدث !!
ولكني أثرت قبل إرسال قوة تدخلي السريع أن أغيب قليلا عن وعي اللحظة والمكان .
لملمت ما أستطيع حمله من ذاكرة ووضعتها دون ترتيب في حقيبة سفر خيالي وانطلقت في رحلة تفكير وتأمل في أحوال العالم اليوم ، وما وصلت إليه من غرائب وعجائب مصطحبا معي ذلك المشهد الساخن كشاهد إثبات يؤكد زعمي بأن الأحوال أضحت لا تسر أحدا هذه الأيام !! لم أجد أفضل من عقلي ، ولو كان مجهدا ومثقلا بعشرات الهموم والأسئلة ، التي يبدو أنه لا إجابة لها حتى إشعار آخر .
سألت نفسي : ترى ما السبب فيما حدث بين الصديقين ؟
وكيف وصلت الأمور إلى هذا الحد ؟ وهل يمكنني ، والحال هكذا ، اعتبار نفسي كائن فضائي غادر موطنه الأصلي في كوكب المريخ أو غيره من الكواكب وقطع رحلة طويلة ليستقر به المقام أخيرا على ذلك الكوكب الأرضي العجيب الممتلئ بكمّ هائل من النزاعات بين بشره لأسباب تبدو بسيطة ويمكن إيجاد حلول لها بأقل تفكير منطقي سليم ؟
أفقت في الوقت المناسب ولله الحمد ، قبل أن تتطور المسألة إلى ما لا يحمد عقباه !!
بابتسامة تبدو حزينة قلت موجها كلامي لمدعي الاتهام المشكوك في صحته : يبدو أنك تسرعت في الحكم بالجهل على صديقنا الماثل أمامنا !! الاختلاف بين البشر أمر طبيعي .
والحكم على الأشياء من ظاهرها دون النظر في جوهرها لا يؤدي غالبا إلى حكم صائب على تلك الأشياء إن كان كل منا لم يعرف شئ ما في هذه الدنيا اتهمه آخر بالجهل ، فذلك قد يعني أننا جميعا جهلاء !!
فلا يوجد إنسان على وجه الأرض يعرف كل شئ في كل شئ أو حتى في بعض الأشياء في الحياة . ولم يولد بعد من يعرف حقيقة كل شئ .
وقد يعجز بعض البشر أحيانا عن الإجابة على أبسط الأسئلة التي قد تكون سهلة بالنسبة لآخرين . ربما لعدم معرفتهم أو جهلهم المؤقت بالإجابة . وهذا أمر طبيعي يزول بالعلم والمعرفة .
وبعد أن ذكرت له أمثلة على أسئلة قد تبدو بسيطة لدى البعض ، ولكنها قد تكون عصية على الإجابة لدى البعض الآخر .
فقد انتهت مباراة الحوار ولله الحمد بالتعادل الإيجابي دون خسائر في أجهزة ومعدات الوفاق والاتفاق الأخوي . وودع كل منا صاحبه بابتسامة على أمل اللقاء ، ولكن ليس عقب انتهاء أية مباراة تجمع بين الفريقين في بطولة الكأس أو الدوري .
في طريق العودة لبيتي فكرت في الجهل : سماته وهيئته وصفاته .. أسبابه وتداعيات نتائجه على من يسكنون كوكب الأرض . متى يمكن أن يوصف إنسان ما بالجهل ؟
وهل كل حالة من حالاته كغيرها أم أنها درجات ؟ وأسئلة أخرى من هذا القبيل .. لا أدري لماذا قفزت إلى ذهني مقولة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لو كان الفقر رجلا لقتلته ، التي أتت في ظروف معينة مرت بالمسلمين الأوائل . ومع اعتقادي التام بصحتها إلا أنني وجدت نفسي مضطر للتفكير بها من زاوية أخرى ، وخاصة في ظل واقع عالمي جديد ، فرضه من فرض ، ولا بد أن نحياه بما له وما عليه مع غيرنا من أهل الأرض استبدلت كلمة الفقر بكلمة الجهل لتصبح الجملة : لو كان الجهل رجلا لقتلته . إما بنور العلم في أكبر ساحة علمية أكاديمية في العالم . أو بضياء الإيمان والمعرفة بمنهج الله القويم ، أمام حشد من العلماء الأفاضل .
أو بملايين المؤلفات والكتب والمراجع والموسوعات .. التي تملأ مكتبات العالم من أقصاه إلى أقصاه . . الجهل يعني عدم إدراك كامل أو جزئي لشئ ما . ولإدراك ماهية هذا الشئ لا بد من استخدام العقل . فإذا كان ذلك العقل مهيأ وقادر على استيعاب كل أو بعض عناصر هذا الشئ فسوف يصل بإذن الله إلى درجة من درجات المغرفة به .
أما إن عطله صاحبه عن العمل أو أعطاه إجازة مرضية قصيرة أو طويلة بدون راتب ، وحبسه في زنزانة ضيقة ليس بها نوافذ للتهوية والسماح لضياء الشمس وأشعتها الدافئة بالدخول ، فمن الطبيعي أن يصل هذا العقل وصاحبه إلى حالة من التخبط وربما الضياع .
برعاية رسمية من غياب الوعي ، وتصفيق وهتاف من عدم الإدراك .. وملحقاته !!.
ولا يخفى على عاقل أن كل أمر من أمور الدنيا له جوانب وزوايا متعددة ، يجب أن يحاول تسليط الضوء عليها والتفكير بما يقوى على الإلمام به من تلك الجوانب بهدف الوصول إلى حقيقة ما أو على الأقل جزء منها حتى يستطيع إدراك واستيعاب الأحداث من حوله ومجاراتها وبالتالي العيش في سلام داخلي مع نفسه ومع الآخرين الجهل عدو الإنسان الأول ولكنه ليس الأخير.. ليس في عصرنا فحسب بل في كل العصور وإن رجعنا بذاكرتنا قليلا أو اطلعنا على سجلات تاريخ العالم القديم والحديث ، فسنجد أن جل الكوارث غير الطبيعية التي حلت وتحل بالعالم حتى الآن ، إنما هي من صنع بعض جهلاء وطغاة البشر على مر العصور .
خاصة حين تقترن القوة بمفهومها الضيق عند أولئك البعض بقلة الإيمان وانعدام الشعور الإنساني وعدم إدراك أن هناك حساب عظيم يوم القيامة أمام الله وملائكته وجميع خلقه .
وهو أساس مشكلات العالم على مر التاريخ . قد يعصف بحياة الإنسان ويهدد أمنه واستقراره وسلامة عقله ونظافة قلبه .
فمن ناحية يحجب عنه ضياء المعرفة بحقائق الأشياء وإدراك ما يمكن إدراكه من آيات الله في كونه الواسع من خلال التأمل وإعمال العقل بالتفكر .
أو يقيده بسلاسل لا ترى بالعين ، وإنما تدرك بالعقل السليم والتفكير المنطقي المنظم .
وقد يؤدي الجهل إلى الفقر والعوز وسؤال الناس في بعض الحالات المزمنة ، ولكن العكس غالبا ليس صحيحا .. إلا إذا كان المقصود بالفقر هنا فقر التأمل في كون الله الواسع والتفكر في خلقه . أو في أحوال العالم التي باتت لا تسر أحدا هذه الأيام . وإن كانت أسباب الجهل كثيرة ومتعددة إلا أن نتائجه أكثر وأخطر ، ليس فقط على الفرد أو مجموعة أفراد ولكن على العالم بأسره .
والدليل .. ما نراه من نزاعات وتعديات واعتداءات وحروب مدمرة .. شرقا وغربا .. شمالا وجنوبا . وقد قيل أن الإنسان عدو ما يجهله . وتلك مقولة صحيحة . فإن غابت عنه حقيقة شئ أو أمر ما تجده إما يطلق أحكاما جائرة دون علم بذلك الشئ أو يبتعد عنه توخيا للسلامة الشخصية أو درءا للدخول في دوامة التشكك والظن . وهذا ربما ما يفسر سبب انتشار الشائعات بين الناس وخاصة عندما تغيب الحقيقة ، إما يتقاعس البعض عن البحث عنها .
أو ربما الرغبة في النأي بأنفسهم عن مضمون الشائعة (الذي غالبا يكون سيئا) !! الجهل موت بطيء للحقيقة بالنقاط وأحيانا بالضربة الفنية القاضية ، في حلبة الصراع البشري ولكنه في كل الأحوال موت سريري لجسد حقيقة ما يبدو هزيلا نتيجة إصابته بأمراض إما معدية وبسيطة قد يشفى منها بجرعة دوائية .
أو قد تكون أوراما حميدة أو خبيثة ربما تحتاج بالإضافة للعلاج الدوائي إلى إجراء عملية جراحية لاستئصالها. وفي لغالب نجد أن فيروسات الجهل لا ترى بالعين المجردة وخاصة حينما تستشري بين الناس وتصبح أمرا مقبولا وربما عاديا وتمارس طقوسه بينهم على مدار الساعة .
ويمكن أن يزول ظلام الجهل المؤقت بإشعال ولو شمعة في نفقه المعتم أو إضاءة مصباح من نور العلم والمعرفة ، والذي قد يغطي مساحة أكبر على الخارطة الإنسانية .
ويكفي أن يضع الإنسان إصبع عقله على أحد أزرار تيار كهرباء العلم لينمكن من الاهتداء هو ومن حوله من عقلاء ، بإذن الله ، إلى بداية درب المعرفة الذي يوصله إلى حقيقته كإنسان وحقيقة ما حوله . وقد يولد الجهل من رحم تعتيم قد يمارس من قبل بعض وسائل الإعلام لفترة من الوقت ربما بغرض الوصول إلى أهداف معينة قد تكون لمصلحة الجميع . ولكن من الغريب والمحزن أن يساهم الإنسان في عملية تجهيل نفسه بنفسه ، وذلك بالتكاسل عن البحث والتقصي وقراءة ما بين سطور الأحداث ومحاولة فهمها .
وسهام الجهل ، وإن كثرت وقويت شوكتها ، لا تتكسر إلا على جدار عقل إنسان مؤمن يبحث عن الحقيقة أينما وجدت وحيثما كانت .
وظلام الجهل لا يتبدد إلا بنور العلم وإدراك المعرفة وهو يلف صاحبه بغلاف ضبابي معتم إن استمرأه وارتضى العيش في كنفه . وقد يدخله في دوامة نزاعات مع الآخرين قد تتفرق معها القلوب والعقول . وقد تؤدي (فيما تؤدي) إلى ما لا يحمد عقباه . قائمة أسباب الجهل طويلة ، والأمثلة كثيرة لمظاهره وسماته وحيثياته .. ولكن تداعيات نتائجه أكثر وأخطر . وقد تبدأ نتائج الجهل مع الإنسان حتى قبل أن يولد ، وذلك من خلال جهل أمه ببعض الأمور التي قد تضر بجنينها أو تؤذيه ، كتناول أدوية غير مسموح بها أثناء فترة الحمل مثلا ، مما قد يأتي بطفل معاق أو مشوه أو غير ذلك .
وقد تستمر تداعيات ونتائج الجهل مع الإنسان فترة من الزمن ، قد تطول أو تقصر ، تبعا لدرجة محاولته الفهم من خلال عقل يفكر بشكل علمي منظم ومنطقي .
والسؤال : هل يمكن للإنسان القضاء على الجهل من جذوره ؟ وكيف ؟ نعم يمكنه وبشكل بسيط وميسر وذلك بحرص الكبار على زرع حب البحث والتقصي وقراءة الواقع ومحاولة فهمه ، في عقول صغارهم حتى يمكنهم الوصول إلى منابع أنهار العلم وينابيع المعرفة لينهلوا منها قدر المستطاع . وبالتالي يستطيعون العيش بشكل أفضل .
وحينما يلتزم الإنسان التفكير العلمي المنطقي المنظم في تعاطيه مع أمور الحياة فسيصل بإذن الله إلى بر الأمان . وسيمكن عندها القضاء إلى حد ما على أسباب ومظاهر ونتائج الجهل . وسيصبح العالم آنذاك أكثر وعيا وإدراكا ومعرفة .. وأكثر هدوءا واستقرارا وأمنا .
ولو استطعنا القضاء على ظلام الجهل بنور العلم ومعرفة حقيقة الأشياء من خلال التفكر في آيات الله في كونه الواسع ، فستتفتح أمامنا الآفاق ، وستنتهي معظم مشاكلنا ، وسنكون قادرين بإذن الله على العيش بأمان وبشكل أفضل مما نحن عليه الآن . فهلا حاول كل منا إضاءة ولو شمعة تنير له ولمن حوله ولو جزء من نفق الحياة الذي لا بد لنا من عبوره ؟ أم نستمر محلك سر على دائرة المنتصف في ملعب الكرة الأرضية ؟
وليد محمد ابو حوسة
كاتب فلسطيني ـ الرياض

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق