"جائزة نوبل للسلام"
ربما يعلم أكثر أهل الأرض أن الكيميائي "الفريد نوبل" هو الذي قام باختراع "الديناميت" .
ولا يوجد من لم يسمع بجائزة "نوبل للسلام" ، وهي إحدى الجوائز التي أوصى بها ذلك الكيميائي لتمنح سنويا على مستوى العالم لعلماء بارزين في مجالات الكيمياء والفيزياء والطب والأدب والاقتصاد و"السلام" .
لا نعلم حتى اليوم سبب اختياره "للسلام" كأحد مواضيع جوائزه . فمثلا يمكن تفسير جائزته في الكيمياء أو الفيزياء كونه مهندس كيميائي . ولكن لماذا أوصى قبل وفاته بتخصيص إحدى جوائزه "للسلام" ؟
هل كان لديه شعور داخلي بأنه سوف يساهم "مستقبلا" في إلحاق كل هذا الأذى والدمار الذي حلّ بالبشرية وما شاهده العالم من حروب ومصائب ونكبات بسبب اختراعه "الجهنمي" الذي "فجّره" في وجه العالم في أواسط القرن التاسع عشر؟
الله أعلم .زعم الرجل قبل أن يلقى وجه ربه أن اختراعه للديناميت لم يكن إلا لصالح اليشرية ، وخاصة فيما يتعلق بالتفجيرات التي تتم داخل المناجم لاستخراج المعادن أو لتفجير أجزاء من جبال يراد شق طرق برية وسطها .. الخ . ولكن هل يشفع له "زعمه" هذا لتبرئة "ذمته" أمام ساحة قضاء الإنسانية الممتدة من أقصى العالم إلى أقصاه ؟
وهل يمكننا القول أنه ، باختراعه للديناميت ، قد جلب المنفعة للعالم أم العكس ؟
ما وصل لعلمي وإدراكي المتواضع أن إنسان العصور البدائية عندما اكتشف النار واستطاع فيما بعد استخدامها بشكل أو بآخر.
وعندما اخترع "العجلة" بشكلها الدائري واستطاع توظيفها لتنقله من مكان لآخر وأمكنه مع الزمن أن يطور الفكرة ، حتى وصلنا إلى عصر الصواريخ العابرة للقارات وارتياد الفضاء الخارجي بواسطة مركبات تحمل داخلها إنسان وأجهزة تشغيل واتصالات الكترونية غاية في الدقة والتعقيد .. مرورا بمركبات النقل الأخرى من سيارات وقطارات ، و ... و ... الخ .
وعندما قام الإنسان باختراع الآلة البخارية ، واكتشاف الموجات اللاسلكية ، واكتشف إمكانية الاستفادة من الرياح وغيرها في توليد الطاقة الكهربية وتوظيفها في معظم شئون حياته عندما اكتشف أو اخترع الإنسان على مر العصور والأزمنة كل المخترعات التي نراها ونلمسها في حياتنا المعاصرة ، لم يكن يهدف إلا لتطوير وسائل معيشته وإضفاء نوع من التقدم والرفاهية على أسلوب حياته على الأرض .
وكان بالطبع يبحث عن الأمان والاستقرار وسط "زئير" طبيعة متغيّرة المناخ ومتقلبة "المزاج" .. وحماية نفسه من أنياب ومخالب وحوش غاباتها أعلم أن السكين لا تذبح بنفسها وإنما من يحملها بيده هو الذي يحدد كيفية استخدامها .
فإما ذبح وتقطيع ما شرعه له الله سبحانه من حيوانات والاستفادة من لحومها وجلودها .. وإما قتل إنسان آخر .
ومن هذا المنطلق يمكن أن نفهم دور كل اختراع أو اكتشاف إنساني في تغيير شكل الحياة على الأرض .
إما نحو التقدّم والرقي والسلامة أو نحو التخلف والخراب والتدمير ولكن "الديناميت" الذي يعتبر بحق رائد أسلحة الدمار هل يمكننا اعتباره كغيره من المخترعات خاضع لعملية مقارنة بين حجم منافعه وبين "كوارث" أضراره ، التي ثبت على مر السنين أنه لا حدود لأذاها على الإنسان ؟ ربما لم يقصد "نوبل" الإساءة للبشرية باختراعه الديناميت .. ولكنه حتما ساهم بشكل كبير من حيث لا يعلم في معاونة "شياطين" البشر على تطويره واستخدمه في القتل والتدمير .
والأمثلة لا تعد ولا تحصى ابتداء من يوم حصوله على "براءة" اختراعه "غير البرئ" وحتى يومنا هذا.منذ بداية القرن العشرين وحتى يومنا هذا تمنح "جائزة نوبل للسلام" سنويا ، مع أربع جوائز أخرى في مجالات متعددة ، في احتفال كبير يشهده العالم بأكمله بالعاصمة النرويجية "أوسلو" حيث تمنح الجوائز لمن يقع عليه اختيار اللجان المختصة .
رحل "نوبل" عن عالمنا قبل أن يشاهد "بأم عينه" نتائج اختراعه "العظيم" في "تدمير" البشرية وإسعاد طغاة البشر ، من خلال نزاعات وحروب ومجازر بشرية لا يصدقها عقل ولا تخضع لمنطق إنساني سليم .. كان أحد أهم أسبابها اختراع ذلك الديناميت" .
لن نظلمك أيها المخترع "الفذ" كما ظلمتنا ، ربما من حيث لا تعلم .
ولن نتهمك "افتراء" بأنك كنت تقصد معاونة "الجبابرة" على إفناء البشرية وإزهاق الأرواح البريئة في منطقتنا العربية وغيرها من مناطق العالم .
ولن نتجنى عليك كما يتجنى علينا الآخرون بافتراءات وأكاذيب ، ليس أغرب من ترديدها سوى تصديقها من قبل البعض . تلك رصاصة أطلقتها (ربما بالخطأ) ولكنها نفذت إلى داخل قلوبنا وأصابت الحياة البشرية والضمير الإنساني في مقتل .
سيد "نوبل" .. أيها العالم "الفذ" : لقد كرهت "الكيمياء" بسبب "ديناميتك"ومشتقاته !! وخاصمت "الفبزياء" بصورة نهائية بسبب قنبلة "أوبنهايمر" الذرية وملحقاتها ، ونتائجها .
في الوقت الذي أحترم وأقدّر كل مخترع أو مكتشف قدّم للبشرية ولو قدر بسيط من التقدم والأمن والاستقرار. كفانا يا سيد "نوبل" .. بالله كفى. القلب موجوع ، والألم محفور في العقول . وجائزتك "للسلام" لن تشفع لك أمام الله جل وعلا ، وبحضور ملائكته ورسله الكرام ، وجميع خلقه يوم "الحساب الأعظم" . ملايين الجوائز مثل جائزتك "للسلام" لن تعيد روح برئ واحد أزهقت هنا أو هناك بسبب "ديناميتك" المتفجّر في وجوهنا .
ولن تعوّض أم ثكلى فقدت ابنها أو أرملة حزينة فقدت زوجها ، أو أيتام مساكين فقدوا عائلهم في إحدى حلقات مسلسل عنف همجي منظم مارسه ، ويمارسه ، وسيمارسه "جبابرة البشر" من خلال "ديناميتك" ومشتقاته وملحقاته ، التي لا حصر لها ولا حدود لنتائجها التدميرية .. حسبنا الله ونعم الوكيل .ويكفينا أن نعلم أن اثنين على الأقل من هؤلاء "الجبابرة" ، الذين اغتصبوا أرضنا في فلسطين قد حصلا على جائزتك "للس
لام" بعد رحيلك عن الدنيا بعشرات السنين ، لكي "نشك ، ونشكك" في مصداقية وصحة توجه من يشرفون على "منحها" وتقديمها ، دون إمعان النظر والتفكير بشكل صحيح في تاريخ ومنجزات ذلك الشخص الذي يمنح تلك الجائزة .
الجميع يعلم من هم "هؤلاء" .. والجميع اكتوى بنار "هؤلاء" في مسلسل "عنف دموي" مستمر حتى اليوم على أهلنا الأبرياء .
وأخشى ما أخشاه أن يأتي علينا يوم ونسمع عن جائزة "أوبنهايمر الذرية" .. ذلك الفيزيائي الأمريكي "رائد القنبلة الذرية" والذي كان له مع بعض علماء الكيمياء والفيزياء الآخرين قصب السبق و"شرف" اختراع أول "قنبلة ذرية" . بإشراف كامل وتأييد لا محدود من قبل "أبناء العم سام" قبيل الحرب العالمية الثانية .
والتي كان أول منجزاتها التاريخية "العظيمة" إفناء مدينتي "هيروشيما" و"نجازاكي" باليابان (والحجة لم تكن إلا إجبار حكومة اليابان على الاستسلام) !!"مشهد دموي" غاية في الإيلام والظلم في "فصل" الحرب العالمية الثانية من مسرحية "صندوق الدنيا" ، التي يجري عرضها يوميا على خشبة "مسرح الأرض للفنون المأساوية" !! استسلم اليابانيون في تلك الحرب .. وحُرّق من حُرّق .. وشُرّد من شُرّد . وقتل وجرح وشٌوه مئات الآلاف من الأبرياء في دقائق معدودة !! أي ظلم وأي جبروت ؟ عن أي "تقّدم" ؟ وعن أية "حرية" ؟
، وعن أية "إنسانية" ؟
وعن أي "سلام" يتحدثون ؟!
ولا ندري ، فقد يُفتح "الطريق" مستقبلا أمام جائزة "شارون للإبداع الدموي" أو جائزة "فلان" "للخيانة والغدر" أو جائزة "علاّن" للكذب والنفاق .. الخ !! ألا يكفي أيها العالم "الحر" ؟!
أيها العالم : لا نريد "جائزة" بدون سلام .. نريد "سلام" بدون جائزة .
وليد أبو حوسة / كاتب فلسطيني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق