علاقتي بالكيمياء ليست دائما على ما يرام . فلا أتذكر من معادلاتها سوى أن تفاعل الأكسيجين مع الكربون ينتج ثاني أكسيد الكربون . وأن الماء ينتج عن تفاعل ذرتين أكسجين مع ذرة هيدروجين أو ربما العكس .
وأن حمض الكبريتيك المركز يذيب أكبر فيل في الغابة في حين لا يؤثر على علبة بلاستيك صغيرة .
ولا أفهم في السياسة إلا بقدر ما يفهم طفل في الثالثة نظرية نيوتن في الجاذبية أو قانون الطفو لأرشميدس .
أو بقدر ما يستوعب أحد القرود من نظرية النشوء والارتقاء للعالم دارون .
مع كل التقدير للدور المؤثر والفعّال لدارون وقروده في حياتنا المعاصرة .كما أنني لست إعلامي محترف أو معد برامج تلفزيونية أو إذاعية أو مذيع "لامع" أو حتى تمكنت في أحد الأيام من "عبور" البوابة الرئيسية لمبنى إحدى القنوات الفضائية .
إلا أنني علمت مؤخرا "بمساعدة صديق" أن الإعلام إن لم يكن الأهم فمن أهم وسائل الاتصال والتواصل بين البشر في المجتمع الواحد وبينه وبين المجتمعات الأخرى .
كما أنه الوسيلة الأكثر استخداما من بين الوسائل الأخرى للتأثير على الشعوب في حالتي السلم والحرب .وبالإضافة لما تعلمته في كتب الإعلام وخبرتي فيه لسنوات عديدة ، فقد قرأت ذات يوم في أحد كتب الطهي ، التي باتت تملأ المكتبات الآن ، أن السياسات الوطنية للثقافة والإعلام في مجتمع ما إنما تقوم أساسا على الصراع الطبقي ، وهو صراع اقتصادي في جوهره .
إلا أنه ظهرت اتجاهات جديدة لتفسير التاريخ ، ليس على أساس صراع طبقي ، وإنما على أساس صراع إعلامي تكون فيه الغلبة لمن يستطيع السيطرة على أجهزة الإعلام والثقافة وتوجيه الرأي العامكما سمعت في أحد برامج التحليل السياسي ، المصاحبة غالبا لنشرات الأخبار الفضائية ، أن القوى الاستعمارية في العالم انتقلت من المجال السياسي والعسكري إلى المجال الثقافي والإعلامي للسيطرة على الشعوب .
وأن تلك القوى وإن رحلت عن الدول المستعمرة بجيوشها وعتادها من الباب ، فقد عادت ثانية من النوافذ : الاقتصادية ، والثقافية ، والإعلامية .وقد بصمت أخيرا بالعشرة وأقررت طوعا ودون ضغط داخلي أو خارجي أو لوي ذراع من أي مدير قناة فضائية أو مسئول محطة إذاعية أو رئيس تحرير أية صحيفة ورقية أو إلكترونية أو أحد "عناكب" الشبكة أن للإعلام الآن الدور الأكبر والأكثر تأثيرا وفاعلية في تسيير عقول البشر على كوكبنا الأرضي .. حتى إشعار آخر .
الإعلام يا عزيزي هو الناطق الرسمي باسم مؤسسات السياسة الدولية .
وهو المحرّض الأول ولكنه ليس الأخير على نشوب الحروب بين الدول وإشعال نار الفتن والنزاعات بين الأمم .
وهو الذي يبرز شخصيات ويلمّع وجوه ويشوّه أخرى .
ويبيّض أموال و"يسوّد عيشة" من لا يسمع الكلام !!ّ كما أنه من يقوم بمهمة إهالة أكوام من التراب على أحداث معينة بهدف : إما دفنها بصورة دائمة أو التغطية عليها بصفة مؤقتة لهدف ما . وهو كذلك من يزيح الستار عن اللوحات التكعيبية والسريالية التي يقوم برسمها كبار فناني السياسة العالمية "الواقعية منها والتجريدية".
وهو الراعي الرئيسي في عملية "تحنيط" بعض الشخصيات "المرضي" عنها وتحطيم بعض التماثيل الأسمنتية لغير المرضي عنها .
وتفتيت الفولاذية منها إلى برادة حديد خفيفة الوزن بحيث يمكن نثرها في الهواء الطلق أو الفضاء المفتوح عند الطلب . كما أنه يقوم بمهمة إذابة ما هو شمعي من تلك التماثيل بواسطة حرارته المحتبسة .
وإذابة جبال الجليد بين الحكومات والشعوب بتياراته الهوائية والمائية "الباردة والساخنة" . أو بناء جدران عازلة نفصل بين أطياف المجتمع الواحد ، في وقت ما لهدف ما .
وعليه فيمكننا اعتبار الإعلام الوعاء الطبيعي الذي تقدم من خلاله الوجبات السياسية الساخنة والباردة المطبوخة على نهار هادئة . وتلك المليئة بالبهارات والمشبعة بالدهون والمنزوعة الدسم .
أصبح الإعلام كل شئ في عالمنا المعاصر .إن أردت السيطرة على مجتمع ما فعليك بالإعلام .
وإن أردت تغيير مفاهيم وقلب موازين فعليك بالإعلام .
وإن رغبت في تلميع وجوه أو تشويه أخرى فما عليك إلا الاستعانة بجهود بعض وسائل الإعلام .. المتحفزة دائما .
من يملك دهاليز السياسة وأنفاق الإعلام يملك زمام أمور العالم .
السياسة تحقق أهدافها بواسطة الإعلام . كما أن اقتصاد الدول لا يدار إلا تحت أعين الإعلام .
لقد أصبحت السياسة والإعلام كالماء والهواء بالنسبة للجميع : أولئك المهيمنون على مقاليد السياسة العالمية الذين يملكون وسائل الإعلام من جهة ، وتلك الشعوب المغلوبة على أمرها من جهة أخرى .
وكلما كان الإرسال أكثر قوة في ذبذباته القصيرة والمتوسطة والطويلة المدى كلما كان الاستقبال لدى الشعوب أكثر وضوحا واستماعا وتأثيرا .
معادلة رياضية سهلة بسيطة لا تحتاج إلى فك رموز أو تحليل عناصر أو رجوع إلى حساب مثلثات أو جداول لوغاريتمات أو ملاحق توضيحية .
هذه الأيام تستطيع أن تحقق بواسطة الإعلام كل ما تريد وربما أكثر . لم يقهرنا من قهر "حتى إشعار آخر" إلا من خلال مكر وتلون السياسة وإبهار الإعلام .
ولم يتفوّق علينا من تفوّق إلا بواسطة الإعلام وعبر سطوة محترفي السياسة .
ولم نتخلف عن ركب الأمم المتقدمة إلا لأننا لم نستطع ، بشكل أو بآخر ، توظيف وسائل إعلامنا لخدمة مصالحنا الوطنية وتعريف العالم بقضايانا وحقوقنا المشروعة كبقية أمم الأرض .
وإذا كانت السياسة مطبخ كبير تعد فيه طبخات كبار العالم بأنواعها ، فإن الإعلام هو المطعم الذي تقدم فيه الوجبات السياسية .
السياسيون طباخون متخصصون يعرفون مقادير كل طبخة وطريقة إعدادها والزمن الذي تحتاجه حتى تنضج وتصبح صالحة للتقديم في مطاعم الإعلام الأرضية والفضائية .
أما الإعلاميون فهم مديرو هذه المطاعم ومقدمي الوجبات السياسية المسبقة التجهيز .
تجدهم غالبا ذوو مظهر حسن وطلعة بهية والبسمة لا تفارقهم .
يلبسون أحمل الثياب ووجوههم دوما لامعة "حتى عند انقطاع الكهرباء" !! يقدمون لك الوجبة التي يريدون بالطريقة التي تحبها أنت "وقت ما يريدون" بأشهى مذاق وفي أحلى الأطباق . يزينون لك جدران المطعم بلوحات ملونة ويحرصون على إسماعك أعذب الألحان .
من موسيقى هادئة حالمة أحيانا ، وصاخبة مثيرة أحيانا أخرى "حسب الموقف" .
على أمل إما أن تهدأ أعصابك فيغالبك النعاس وربما يصل الأمر إلى حد التثاؤب والنوم العميق والأحلام الوردية .
أو أن تثور وتستشيط غضبا وتملأ رأسك كوابيس آخر الليل ومنتصف النهار، فتجد نفسك فجأة ودون مقدمات في مشادة كلامية عير مبررة مع "جارك" على الطاولة المجاورة .
وقد يتطور الأمر إلى تشابك بالأيدي والأرجل أو حتى تراشق بالرصاص الحي أو "المطاطي" دون أن تعلم ، لا أنت ولا هو ، لماذا قامت تلك المعركة أصلا أو كيف بدأت ومتى تنتهي ؟!لكل طبخة سياسية مطبخ معين للإعداد والتجهيز ، ومطعم مخصص للتقديم ، وزمن محدد لتناولها .
والسياسة الدولية الآن تديرها سلسلة مطابخ عالمية يرأسها رئيس مجلس إدارة بيضاوي وعضوية عدد من مدراء مطابخ ينتشرون في جهات الدنيا الأربع . يجري فيها تدريب كبار الطباخين وصغارهم على طرق إعداد كافة أنواع الوجبات والعمل بحرفية ونظام دقيق حتى لا "تشيط" الطبخة أو تفسد ويختلف طعمها ، فلا تلقى رواجا لدى بعض زوار مطاعم الإعلام الأرضية والفضائية ، وخاصة أولئك الذين يستخدمون عقولهم في محاولة الفهم وأنوفهم "غير المزكومة" في محاولة الشم .
ولا يستسيغون طعم بعض الوجبات التي تقدم لهم فالمطلوب الآن من يتلهفون لالتهام كل الأطباق المقدمة دون تذوق طعم أو تمييز رائحة .
ولا يهمهم إن كانت الوجبة "ستيك فيل" بجناحين أو "سكالوب دجاج" بأربعة أقدام !! فكيف لا نهتم بالسياسة الدولية وتأثيرها على منطقتنا والمناطق المجاورة ؟
وكيف لا نعير الإعلام ووسائله آذاننا وانتباهنا ، وكل حواسنا ؟!للإعدام مقصلة أو مشنقة واحدة أو عدة طلقات من الرصاص تنهي حياة الإنسان في لحظة .
وللإعلام وسائل كثيرة قد تأتي على ما تبقى في "ميموري" ذاكرته من وعي وإدراك . ليس بالضرورة ، أو فلنقل ليس مطلوبا منها أن تقوم بالمهمة على الفور ، ولكن بالتدريج وبالتقسيط المريح " بطئ .. ولكنه أكيد المفعول" .
قنوات فضائية عبر الفضاء ، ومحطات إذاعية عبر الأثير .
وصحافة ورقية بين أيدي القراء صبح مساء . ونوافذ "عنكبوتية" على مدار الساعة عبر مواقع الانترنت .
ومع تقديري لوسائل الإعلام التي تزدحم بها طرقنا الأرضية والتي تملأ فضاءنا العربي إلا أنني أجد نفسي مضطر للإدلاء بشهادتي على عصرنا "النحاسي" هذا وإبداء رأيي "بلا حدود" فيما يدور داخل وخارج الحدود .
كما أنني على استعداد تام لتقبل الرأي الآخر ، فليس أمامي والحال هكذا ، إلا هذا "المنبر" وتلك "الجزيرة" الهوائية الفضائية ، على كل حال .
حينما يجلس أحدنا لمتابعة برنامج إخباري أو تحليلي في إحدى القنوات الفضائية ، يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع أحداث إقليمية ودولية لا حصر لها . وتنقله كاميرا الأخبار النشطة دائما ومراسلي المحطات ووكالات الأنباء المتأهبون إلى قلب الحدث لحظة وقوعه .
فلا يجد أمامه وقتها إلا التفاعل مع تلك الأحداث . وربما ، في بعض الحالات المستعصية ، التفكير في أصلها وفصلها وصنّاعها والمروّجون لها والهدف من ورائها .
وقبل أن يصل إلى نتيجة ما بالجهود الذاتية يأتي احد المحللين ، من أولئك الذين يجيدون السباحة في الفضاء ، "وما أكثرهم هذه الأيام" ، يأتي لتوضيح ما خفي من أمور في حدث ما .
فيجد ذلك المتابع نفسه أمام سلسلة جبال صخرية أو ترابية أو ثلجية . فإن حاول تسلق أحدها دون تخطيط واستعداد مسبق وأدوات مساعدة ، فقد يجد نفسه ككرة ثلج متدحرجة من قمة الجبل إلى سفحه .
ولا يصل إلا وقد فقد وعيه وصفاء عيشه . أو ربما حياته كلها في بعض الحالات الحرجة والخطرة !!من يراقب بعض القنوات الفضائية بتمعن يجد تيارات فكرية وكوارث ثقافية يحاول البعض قذفها داخل عقولنا من خلال برامج إخبارية تحليلية ووثائقية يتم غالبا انتقاء أبطالها من مدارس سياسية وفكرية متنوعة حسب الرغبة والهدف .
فبمجرد أن تمسك بيدك جهاز التحكم وتتنقل أصابعك بأمر من عقلك بين أزراره فستجد نفسك أمام "بانوراما" واقع عالمي جديد يحاول كباره فرضه على صغاره .
فهذا برنامج من ضمن أهدافه ذر الرماد في العيون ومحاولة تضليل المشاهد قدر المستطاع . وذاك بحجب بعض جوانب الحقيقة في موضوع ما لفترة من الوقت ، حتى يمكن إنجاز ما يمكن إنجازه بواسطة من لهم مصلحة وهدف .
وقد تجد برنامج آخر يهدف إلى التنوع في طرح الآراء عند تسليط الضوء على موضوع ما .
وقد يقودك حظك إلى متابعة برنامج يستضيف أحد كبار السياسيين من الذين أمضوا سنوات في المشاركة في أحداث تخص بلدهم وربما بعض البلاد المجاورة ، في زمن دائما سابق "لا أدري لماذا ؟!" ليكون شاهدا على عصره "الخشبي" أو "النحاسي" .
نجد أن الشخصية يتم اختيارها بعناية من قبل معدو البرنامج كما أن الأسئلة الموجهة من "مقدّمه" مُعدّة بدقة وتهدف إلى إيصال أفكار محددة للمشاهد المسكين ، الذي قد لا يجد إلا أحد شواطئ تلك "الجزيرة" ، التي يظن أنها هادئة فيجدها أكثر ضجيجا وصخبا من "جاراتها" !!وقد تجد نفسك داخل حلبة مصارعة "ديوك" تشاهد معركة "حامية الوطيس" بين "ديكين" على طرفي نقيض .
وتنتهي غالبا بإصابة أحدهما إصابة بليغة في الجمجمة . أو ربما بإصابة مذيع البرنامج بشظية من أحد القنابل الكلامية التي قد يطلقها أحد الضيفين أو كلاهما .
كما يجب ألا ننسى أنه أثناء البرنامج "المعركة" ربما يصاب بعض ذوي العقول التي اعتادت التفكير بشكل منطقي سليم ، بنوبة غثيان مما يسمع ويرى قد تفضي إلى "قئ" معلوماتي حاد أو إسهال شديد في الذاكرة ربما يؤدي إلى حالة جفاف في الوعي أو إمساك عن قول الحق .
ربما يكون "القاسم" المشترك بين الضيفين والبرنامج إجمالا سحب المشاهد إلى منطقة ضبابية دائرية قد يقضي ما تبقى من عمره وهو يسير على محيطها دون أن يصل إلى نقطة نهاية إلا إذا استطاع كسرها وتحويلها إلى خط مستقيم .
كما أن تحديد الضيوف في مثل هذه البرامج له دور كبير في حسم الموضوع المطروح حتى قبل بداية البرنامج !!سؤال استفهامي استنكاري تعجبي يدور في ذهن الكثير من أبناء أمتنا العربية وهو:
لماذا نجد مسئولين إسرائيليين على رأس قائمة المدعوين من قبل بعض قنواتنا الفضائية للإدلاء بآرائهم وتعليقاتهم حول موضوع ما لدرجة أن بعضنا أصبح يعرف أسماؤهم ومناصبهم ربما أكثر من أسماء ومناصب بعض مسئولينا العرب ؟! "مع حسن الظن بالجميع" إلا أن المواطن العربي يحتاج إلى توضيح .. أليس كذلك ؟ .
ونجد أن هناك برامج وثائقية يجري عرضها على بعض القنوات الفضائية تكون في الغالب من إنتاج أمريكي أو أوروبي . يتضمن بعضها وقائع تاريخية ووثائق مضى عليها عشرات السنين تحاول إيصال شئ ما للمشاهد .
خاصة حين يتم التركيز على أحداث وشخصيات معينة من زاوية يراها البعض تخدم هدفهم في وقت معين مع إغفال أحداث أخرى .
مما يضع المشاهد في حالة ضبابية قد تؤدي للشك فيما يقدم من معلومات ووثائق .
ليس هناك أكثر من البرامج التي تلقي في وجوهنا مبادئ لم نعتدها وأفكار لم نألفها .
وليس هنالك أقل من الحقيقة في بعض البرامج .
الأمثلة كثيرة ومتنوعة ولا داعي للدخول في التفاصيل حتى لا نعطي الشيطان تذكرة دخول مجانية لإحدى قاعاتنا السياسية أو صالة من صالات عروضنا الثقافية أو أحد ملاعبنا الإعلامية ، التي تعج حاليا بلاعبين محترفين وهواة وجمهور بعضه لا يتفاعل مع المباراة إلا عند تسجيل الأهداف !!
وحكام برامج بعضهم ليس أسهل عليه من إخراج بطاقة صفراء أو حمراء . ورجال خطوط بأربعة عيون ولكن بعضهم لا يرفع الراية إلا بعد ولوج الكرة الشباك "رغم الشك في حالة تسلل" . وعندها تصيح بعض الحناجر ، وتتوه بعض العقول ، وتضيع بعض الحقوق .. وتنكسر بعض الخواطر .
وإذا عرّجنا على محطاتنا الإذاعية العربية التي تملأ الأثير بذبذباتها المتوسطة والقصيرة المدى فربما نواجه بعاصفة من التيارات الهوائية الصاعدة الهابطة الآتية إلينا من كل ناحية .
كل يتكلم لغته التي يعرف .
بعضها يغني مع "الكورال" لحن نظام عالمي جديد ، والأخرى ما زالت تغرّد خارج السرب . حينما تتنقل بين موجات الراديو تكون قد تخطيت حدود المكان وربما الزمان ومنحت نفسك تأشيرة دخول مجانية لعالم أثيري بلا حدود .
وبتحريك المؤشر مليمتر واحد تجتاز كل خطوط الطول والعرض .
فالإذاعة لا تعرف حدود أو سدود . وهي تمنحك حق اللجوء السياسي أو الفكري إلى أية بقعة على خارطة العالم دون أن تتحرك من مقعدك . عالم لا ينام .. وآذان لا تكلّ ولا تملّ .. وعقول لا تتوقف عن التفكير .. وألسن لا تتوقف عن الكلام "المباح" وأحيانا "غير المباح" .المحطات الإذاعية لا تختلف كثيرا عن القنوات الفضائية .
نفس مصادر المعلومات ووكالات الأنباء ولكن أسلوب العرض يختلف حيث لا صور تدعم الخبر . وربما هذا ما أدى إلى سحب البساط قليلا من تحت أقدام المحطات الإذاعية . ذلك أن السماع مع المشاهدة أبلغ من السماع دون مشاهدة .
إلا أن للإذاعة دورها الهام والمؤثر في إثراء حياتنا الفكرية والاجتماعية والسياسية .
وخلاصة القول أن للإعلام جل الدور في خلق رأي عام ومفاهيم معينة لدى أفراد أي مجتمع . وحتى تتمكن وسائل الإعلام من القيام بدورها بشكل صحيح فلا بد لها من مساحة من الحرية فبدون حرية إعلامية ، ولكن دون تجاوز الخطوط الحمراء المتعارف عليها في كل مجتمع من مجتمعاتنا العربية ، لن نصل إلى ما نصبو إليه من تقدم وتنمية . المطلوب من وسائل إعلامنا العربية الموضوعية في الطرح والصدق والشفافية مع وضع الحلول الناجعة لكل قضية تطرحها حتى يمكن مواجهتها بشكل صحيح .
النقد البنّاء ، وليس النقد لمجرد النقد أو ربما "النقض" ، هو المطلوب الآن . نريد موقع متميز لإعلامنا العربي على خارطة الإعلام العالمية أرضا وفضاء . لا نريد هيدروجين سياسة أو ثاني أكسيد إعلام أو حمض كبريتيك قهر مركّز . فقط نريد حبة قمح وقطرة ماء ، وغصن آمن يمكننا التغريد عليه دون خوف أو توقّع أذى من تلك الجهة أو ذاك الجهاز . نريد نسمة هواء سياسية تحمل ذرة أكسيجين إعلامية ، ولو واحدة .. فهل نطلب المستحيل ؟!
وليد أبو حوسة / كاتب فلسطيني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق