الجمعة، 7 أغسطس 2009

يوميات لاجئ في الأدغال

رسالة مفتوحة إلى من يهمه الأمر
وليد محمد أبو حوسة
بسم الله .. والصلاة والسلام على رسولنا الكريم وآله وصحبه أجمعين
أما بعد:
فتلك رسالة مفتوحة من مواطن فلسطيني بسيط ، لا يحمل بطاقة هوية تثبت ذلك !! بل يحمل وثيقة سفر زرقاء اللون تذكره ، كلما أخرجها من حقيبته لتجديد إقامته بالسعودية كل سنة أو سنتين , أو عندما يحين وقت تجديدها كل خمس سنوات . تذكره بأنه "لاجئ " وليس مواطن تابع لأية دولة على الكرة الأرضية !! لا يستطيع استخدامها للانتقال والسفر بين بلاد الله بيسر وسهولة كباقي البشر ! حتى أ نه بات يطلق عليها تندرا (وثيقة عدم سفر) !!

لم يولد كباقي المواليد على الأرض التي ولد عليها أباه وجده ، بل فتح عينيه للمرة الأولى في أرض الكنانة ، وأخذت رئتاه أول شهيق لها من هواء القاهرة .. وارتوى من ماء نيلها . أثناء حريق القاهرة في أول عام 1951 ، كان لم يزل جنينا في رحم أمه المسكينة التي هاجرت مع والده وبعض الأقارب قسرا بسبب الأحداث المأساوية التي شهدتها مدن وقرى فلسطين في العام 1948 . حينما تم طرد شعب بأكمله من أرضه بقوة السلاح والإرهاب ، ليحل محله مستوطنون جاءوا من هنا وهناك ، بمباركة كبار العالم (الحر) !! تلك أحداث يعلمها الجميع ولا تخفى على أحد . ورغم أنه ولد في شهر أغسطس ، أي في عز الصيف ، إلا أنه أحس بالبرد يجتاح جسده يوم ولادته ! لا يعلم حتى الآن لماذا ؟ وكيف ؟!

بعد ولادته بسنة واحدة قامت ثورة يوليو 1952 . كانت أول ثورة حقيقية تشهدها المنطقة . خرج على إثرها (آخر ملوك مصر من عائلة محمد علي) ولم يعد . وبدأت مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة . في عام 1954 كان جلاء آخر جندي بريطاني عن مصر . وفي عام 1956 فحر الرئيس عبد الناصر قنبلة مدوية بتأميم قناة السويس ، القشة التي قصمت ظهر البعير !! لم تحتمل بريطانيا (العظمى) وحلفائها هذا التحدي ، فكان على الأمة أن تواجه غزوا شرسا ثلاثي الأبعاد وسداسي الهوية والمصلحة ، الهدف الرئيس والمعلن له (تركيع) من انتصب واقفا يرفع رأسه ويتحدى (العظماء) !

صيحة ملأت آذانهم بما لا تهوى قلوبهم ولا تصدقه عقولهم .. فكان ما كان .

لم يكن يومها عمر ذلك الطفل سوى خمسة أعوام ، ولكنه كان يشعر بأن هناك شئ ما يحدث (رغم صغر سنه وعقله آنذاك) ! كانت هناك تساؤلات تملأ رأسه وتثقل عقله الصغير .. ولا يجد لها إجابة شافية وافية .

كبر قليلا .. فدخل أول مدرسة له في الحياة عام 1957 . تعلم حروف الكتابة وكيف يقرأ الكلمات المطبوعة على صفحات كتاب القراءة ويطالع رسومه الملونة الجميلة . حينما ينصت إلى معلمته الوقورة (التي ما زال يذكر اسمها وملامح وجهها) كان يتابعها بشغف وهي تروي لهم قصة آدم وحواء مع الشيطان . وقصص أنبياء الله ورسله بدءا من نوح وسفينته والطوفان وانتهاء ببعثة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم .. مرورا بقصة نبي الله إبراهيم مع أبيه وتحطيم الأصنام ، والنار التي ألقي فيها فكانت بأمر ربها بردا وسلاما عليه وقصته مع ابنه إسماعيل ، التي كانت تدخل الرعب في قلب الصغير كلما تذكرها ، خاصة حين يتخيل نفسه مكان إسماعيل في ذلك المشهد الرهيب . لم يكن يدرك بعقله المحدود المعني الحقيقي من وراء تلك القصة التي يرويها لنا الله في كتابه العزيز ، وهو وجوب طاعة المخلوق لخالفه (دون جدال أو اعتراض) . فالله وحده يعلم كل شئ بعلمه الواسع المحيط .. بينما الإنسان لا يعلم من آيات الله في الكون إلا النذر اليسير . وبالتالي فإن عقله يظل محدودا بحدود الأرض التي قدر له أن يعيش عليها عمره المحدد بسنوات ، مهما طالت ، فسوف تنتهي حتما بموته .
يسرح خياله إلى ما وراء أسوار مدرسته .. يتمثل أماكن وقوع تلك الأحداث وكيفية حدوثها ، ويرسم في ذهنه صورا لأولئك الرسل والأنبياء .. صلوات الله وسلامه عليهم جميعا .

كانت تراوده في تلك الأيام أحلام الطفولة ببراءتها وشفافيتها .. يحلم بأن يعود إلى أرض فلسطين التي طالما حدثه عنها والده ووالدته وجدته .. يافا مدينة أباه وجده . تلك المدينة الساحلية الجميلة ، التي لم يقدر له أن يراها أو يشم رائحة هوائها أو يشرب ولو قطرة واحدة من مائها . أو أن تلامس قدميه تراب شوارعها وأزقتها .. أو أن يتذوق ولو برتقالة واحدة من برتقالها .. إلا في أحلامه !!
حق أسير لا يجد من يطلق سراحه أو ينصره في زمن ينزلق ببشره وحجره نحو هاوية ، لا يعلم إلا الله مداها . أمة لم تسلب منها فقط أرض ولكن مقومات حياة كريمة أمام أنظار عالم "متحضر". جريمة مكتملة الأركان .. فالجاني والمجني عليه وجسم الجريمة ماثلون أمام أنظار العالم الحر. ولكن للأسف تسجل في سجلات (الشرعية الدولية) الجديدة .. والمحافل "الأممية" العتيدة ، وفي ظل واقع صنعه الأقوياء ، ضد مجهول ! لا بل يلاحق المجني عليه ويحارب بكافة الوسائل إن حاول استعادة حقه أو حتى الدفاع عن نفسه !! كارثة من العيار الثقيل .. أليس كذلك ؟! فإلى متى نظل صامتين .. قابعين داخل نعوش أوهامنا ؟ إلى متى ؟!
الهواجس أنشبت مخالبها داخل عقله الحائر واقتلعته من جذوره وهددت أمنه . لم يتمكن من الوصول إلى شاطئ آمن يحتضنه أو طوق نجاة يبعده عن خطر الغرق في بحورها . تجول بين مرافيء باردة موحشة يبحث عن هوية .. تناثرت أشلاؤها تحت وطأة أحداث يصنعها آخرون . لا يدري إن كان يبحث عنها أم تبحث عنه !! قبع داخل قلعة من خيال يشاهد أحداثا دراماتيكية دامية تصل أحيانا إلى حد السفه وتتحدى العقل الراجح والمنطق السليم .
الأوراق البيضاء تستفزني .. فلديّ ما أكتبه . والصمت يدوي في أذني .. فلديّ مشاعر تأبى إلا أن تصرخ في وجه أباطرة الزمان والمكان. ولكن من يتصدى للكتابة في مواضيع تمس حياته وفي نفس الوقت تلامس قلوب وعقول من حوله وتتعلق بقضية قد تهم "الجميع" ، فلا بد أن يملك ذاكرة قوية تمكنه من استحضار شريط أحداث مضت ، وأحداث نجري علي الساحة وشخوصها من : مؤلفين ومخرجين وكتاب سيناريو ومهندسو ديكور وممثلون .. ومهرجين !! لا بد أن يتذكر الأشخاص الذين تعامل معهم وتأثر بهم خلال سنوات حياته كون كل ما سبق ذكره يمثل حجر الزاوية في تكوين مبادئه وبناؤه الثقافي ، والفكري ، والعقدي والاجتماعي . كما يكسبه حصيلة لا بأس بها من خبرات وتجارب تلعب دورا كبيرا ومهما في سير حياته كإنسان .. وصاحب قضية .
أسجل هنا تجربة إنسانية لإنسان يشعر بالظلم والقهر. الخواطر تتداعى على خياله ، المستيقظ دائما ، كشلال منهمر. وذاكرته تقف أمامه في كل موقف يتعرض له ، سلبا أو إيجابا . قراءة صادقة وترجمة أمينة لنفس إنسانية تعيش زمن أحداثه تنزلق بسرعة فائقة ككرة ثلج متدحرجة على جبل الجليد .. ما إن تصل للسفح حتى يكون حجمها ربما بحجم الجبل نفسه !!
قضية كهل يبحث عن هوية تاهت وسط زحام الفضائيات ومواقع الانترنت في زمن العولمة . يبحث عن قارب صيد أبحر من نصف قرن أو يزيد وسط عواصف وأمواج . أبحر ولم يعد حتى الآن !! ربما غرق .. وغرقت معه شباك الصيد والأسماك !‍‍‍‍ وربما طاب له المقام وراء الحدود .. أو ربما سطا عليه قراصنة البحار في عرض البحر .. في ليلة ظلماء .. غاب عنها وجه القمر !!

تغيرت أحوال الدنيا وتبدل طعمها .. لقمة العيش وشربة الماء ورائحة الهواء . اختنق الفضاء بصور أثيرية لا تقوى العيون على تجاهلها ، وروائح لا تستطيع الأنوف إغفالها. وأفكار لا تقوى أغلب العقول على الصمود أمامها . سهام موجهة تعرف طريقها جيدا في زمان لا يعترف إلا بالقوة المادية .. وأن الحق يكمن في القوة !! احترقت أسهم الفضيلة في بنوك الزيف والخداع وانطلقت شعارات تحت عناوين براقة تلبس عباءات مختلفة اللون والشكل ، ولكنها تحمل نفس الهدف .

لم نعد نسمع إلا خطابات ملتهبة يقف لها شعر الرأس إكبارا واحتراما ، وتشرئب لها الأعناق محاولة الوصول إلى مصدر الصوت فلا تصل إلى شئ . وتنفتح أمامها العيون ، لعلها تجد قبس من نور تستعين به للوصول إلى آخر النفق ، فلا تجد إلا أنفاق مظلمة تمتلئ بالقوارض والحشرات الزاحفة والطائرة والمتسلقة . نجا منها من نجا وأصيب بالعمى من قبع داخلها ، مفضلا الظلام على ضوء الشمس !!

تغيرت الوجوه .. واختلفت ملامح من اعتلوا المنابر بفعل عاملي الزمن والتعرية . والتي لم تقودنا إلا إلى مناطق مجهولة في بيداء مقفرة ، بحثا عن كلأ لم نر منه إلا النذر اليسير وماء لم نعد نراه إلا سرابا . العقل سدت شرايينه وتقطعت به السبل وسط أحداث لاهثة بين أصنام السياسة وضبابها وصقيع المحافل وغبارها . وزعت الأدوار ونفذت تذاكر الدخول وامتلأت مقاعد المتفرجين وأطفئت الأنوار . فصول المسرحية تقترب من المشهد الأخير وما زلنا غير قادرين على تقرير مصيرنا بأيدينا !!

بتنا رهائن في سجون أوهام أصنام صنعناها بأيدينا .. وتعبدنا في محرابها !! أيعقل هذا ؟!

قضيتنا العادلة ماثلة أمامنا ليل نهار .. ولا نقوى إلا على الشجب والاستنكار!!
نقرأ مقالات أصحاب الأقلام الساحرة والوجوه اللامعة .. فتزداد حيرتنا !!
ننصت لتحليلات قادة الفكر والرأي في ساحتنا .. فنغيب عن الواقع !!
نسمع ما نسمع عبر الإذاعات .. ونشاهد ما نشاهد عبر القنوات ..
نمط الشفاه غيظا وتعجبا .. وفي النهاية نبتسم !!
خطب وشعارات من المنابر تنطلق .. نصفق دقائق ونبكي بقية السنة ‍‍‍!!
أية أمة ؟ وأية قضية ؟!

لست خبيرا عسكريا أو سياسيا محنكا. ولا أجيد لعبة التمييع والتلميع ولبس الأقنعة . ولست ممن يدعون المعرفة ببواطن الأمور . ولكني إنسان بسيط يعيش على أرض مبتلة .. وتحت سماء مليئة بالغيوم !! لا يعرف أرضا غيرها أو سماء غير السماء . لم يسبح في أي البحور خوف البلل أو ربما الغرق ! أثقلته جبال الأسئلة وحيرته دهاليز سياسة العبث وذبحه الإعلام بمقصلة صحافته وسهام قنواته الفضائية !!

قد لا تسعف الذاكرة كهل ذو لحية بيضاء وجسد يمتلئ ، ولله الحمد ، بأمراض تفتك بأقوى الأجساد . ولكنه يتذكر جيدا نكسة يونيو 1967الموجعة .. التي أدمت القلوب وشلت معظم العقول لبعض الوقت .. يذكر جيدا كيف بدأت الجراثيم والطفيليات تعرف طريقها نحو جسد أمة أنهكته مقاصل ساسة لا يحترمون عقول شعوبهم أو شعورهم . وإعلام متلون .. لا يرحم أحدا في ظل "شرعية دولية" مزعومة !! فأين هي الشرعية الدولية من حقوقنا كشعب طرد من أرضه بقوة السلاح والإرهاب والجريمة المنظمة ؟ أين هي الشرعة الدولية من آلاف البشر الذين يموتون يوميا من الجوع والعطش ، رغم أن بلادهم تزخر بكميات هائلة من الثروات الطبيعية .. فقط لأن أقوياء العالم يريدون هذا .. لغرض ما في نفس يعقوب !! أين هي الشرعية الدولية من الصواريخ (الذكية) التي لا تخطئ الهدف ؟ والقنابل (العنقودية) التي تلقى على رؤوسنا ليل نهار ؟

ولكن ، على كل حال ، فالهزيمة لا تأتي من الخارج وإنما تكمن داخل الإنسان .

كان شابا في مقتبل العمر حينما داهمت الهزيمة أمته . طالب في المرحلة المتوسطة .. يبحث عن ذاته وسط كم هائل من المثبطات والمحبطات . لم يكن يملك وقتها (وربما حتى الآن) إلا الأحلام !! حلم كثيرا بمدينة فاضلة يسودها السلام بين البشر !! بجزيرة أحلام عدد سكانها شخص واحد .. فقط !! وبعض الأشجار ، وكثير من الهواء النقي .. وطائر أبيض يقف أمامه ينظر إليه بدهشة .. كأنما يسأله عن سبب وجوده في تلك الجزيرة الخالية !! يبادله النظرات يبثه همومه في دنيا البشر وما آلت إليه الأحوال . يكرر الطائر السؤال ، فلا يستطيع ذلك الشاب أن يجيبه إجابة منطقية !! فماذا يقول له ؟ أ يبرر له الهروب ؟ أ يخبره بعجزه عن مواصلة الحياة بين الدروب ؟ لا يحتمل الطائر ذلك الصمت المحير ، ولا يقوى على فهم ذلك الإنسان .. الغريب !! يشيح عنه وجهه .. يقرر الرحيل .. ويطير !!

لم يهدأ عقله وقلبه عن الحلم . أمله كان كبيرا ، بحجم السماء ! يحلم بالعودة إلى أرض أجداده فلسطين .. نعم العودة !! ولم لا ؟ فقد تورمت أذناه بأناشيد العودة !! وانتفخت شرايين عقله بما كان يقدمه (الكبار) من وعود وخطب وشعارات (لم تكن في الغالب تتجاوز جدران الصالة أو القاعة التي تلقى فيها)

ثم جاءت حرب العاشر من رمضان (أكتوبر 73) .. التي بدأت بانتصارات رائعة في ميدان القتال . حيث استطاع أبطالنا البواسل عبور قناة السويس وإذابة الساتر الترابي الهائل الذي كان يسمى (خط بارليف) . تمت إذابته بخراطيم الماء !! فكرة غاية في الذكاء .. ومن توصل إليها فقد دخل التاريخ من أوسع أبوابه وأعطى درسا في العلوم العسكرية لكل العالم . وأثبت أن العقل الع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق